يخيل لي أن هذا المصطلح الذي سمعناه للتو من المبشر الكبير للديمقراطية على الطريقة الأمريكية الحديثة الرئيس الذاهب بوش الصغير لم يكن جديداً على البشرية منذ البدء حين انطلقت فكرة الشر مقابل الخير، فالنيران الصديقة، أو على وجه التحديد، نيران الأخوة اشتعلت بين قابيل وهابيل كمثال ناصع لتأكيد هذا الصراع الحتمي بين الناس ثم الجماعات ثم الأمم حول أفضلية
تكاد تأخذ الشكل الهلامي، ويتعلق بها الواهمون على اعتبارها الخير كله والصدق كله والحقيقة الكاملة التي لا يملكها إلا هم، وبالمقابل فلا بد أن الطرف الآخر هو مثال للعداء والشر والكذب.
المبشر الكبير بالديمقراطية يعتمد في فكرته، أو لمن يفكرون عنه وهم كثر، على قاعدة الفوضى التي يعقبها السلام المبرمج، السلام الرمادي والاستسلام الشعبي الذي يرضى من الغنيمة بالإياب، ويا للمقارنة التي تشعل الرأس شيباً، إنها فكرة واحدة تلك التي تنطلق من قاعدة الظواهري بنفس الصيغة الأمريكية تلك تأخذ ثوب الدين وقناعه وتلك تأخذ ثوب الحرية الزائفة للشعوب المظلومة، ولهذا المصطلح القديم الجديد قدم الإنسانية وجه آخر نجده في كل زمان ومكان بين الزوج وزوجته، بين العائلة في مختلف طبقاتها، بين الإخوة الذين يمثلون بشكل أو بآخر صراع قابيل وهابيل، لكن على مستويات دنيا أو مختلفة، هل جاءت الأديان والمذاهب والمعتقدات والفن الخالص من الشوائب والأعمال المجازية في كل إنجاز بشري لإخفاء هذه الحقيقة الأزلية، أو التخفيف من آثارها المدمرة لفكرة الإنسانية في شكل الخلاص والانعتاق نحو هدف الخير النقي.
انظر حولك من خلال المجتمع بتكويناته المختلفة في العمل، في الحقل، في التجارة، في المنزل لتجد أن المحرك لهذه الحياة التي تبدأ بالصراخ وتنتهي بالصمت المدوي بالنهايات الباردة كان محورها الأساسي هي النيران الصديقة.
كل منا يحمل في داخله هلعاً خاصاً يحاول ألا يظهره للآخرين، الخوف من الوحدة بأشكالها المختلفة ولعل تاجها الموت، الخوف من أن تكون شيئاً عابراً في هذه الحياة، الخوف من أن تصل إلى درجة الجوع بكافة أشكاله ومعانيه، الخوف الأكبر أن تطعن في حريتك وهي الأثمن، الحرية البيضاء والتي تناضل من أجل ألا تكبر النيران الصديقة على حسابها.

0 تعليق